التاريخ الإسلامي
دون تشويه أو تزوير
التاريخ الإسلامي يمتد منذ بداية الدعوة الإسلامية بعد نزول الوحي على رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم تأسيس الدولة الإسلامية بالمدينة المنورة وحكم الخلفاء الراشدين، مرورًا بالدولة الأموية فالدولة العباسية بما تضمنته من إمارات ودول مثل السلاجقة والغزنوية في وسط آسيا والعراق وفي المغرب الأدارسة والمرابطين ثم الموحدين وأخيرًا في مصر الفاطميين والأيوبيين والمماليك ثم سيطرة الدولة العثمانية التي تعتبر آخر خلافة إسلامية على امتداد رقعة جغرافية واسعة، وهذه البوابة تعنى بتوثيق التاريخ من مصادره الصحيحة، بمنهجية علمية، وعرضه في صورة معاصرة دون تشويه أو تزوير، وتحليل أحداثه وربطها بالواقع، واستخراج السنن التي تسهم في بناء المستقبل.
ملخص المقال
أحوال المسلمين بعد موقعة البليخ كانت مفرحة في شرق العالم الإسلامي بخبر تصالح سلطاني السلاجقة بركياروق ومحمد، فكيف تم هذا الصلح؟
المسلمون في شرق العالم الإسلامي
إن كانت موقعة البليخ من الأخبار المفرحة في سنة (496هـ) 1104م، فإنَّ هناك خبرًا مفرحًا آخر تمَّ في نفس السنة، وإن كانت آثاره غير ذلك؛ فقد شهدت هذه السنة صلحًا بين الأخوين المتخاصمين والمتنازعين سلطاني السلاجقة بركياروق ومحمد! وكان النزاع بينهما مستحكمًا وصل إلى حد الحرب والنزال، مع حسن أخلاق كليهما! ولكن بفضل الله اجتمع الأخوان في هذه السنة، وتم بينهما الصلح عن تراضٍ من الطرفين، لكن -للأسف- كانت نتيجة هذا الصلح هو تقسيم البلاد بينهما[1]!!
وهذا -لا شك- فكر معوج، ومنهج منحرف، والله U يقول: {وَلاَ تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ} [آل عمران: 105].
لقد قبل الأخوان بتقسيم المملكة التي تركها أبوهم ملكشاه بن ألب أرسلان إلى ثلاثة أقسام: الأول يحكمه بركياروق ويضم أصبهان وفارس ومعظم العراق دون شمالها، ويتبعه في ذلك قسم بغداد، بمعنى أن الخطبة في بغداد ستكون للخليفة المستظهر بالله والسلطان بركياروق. أما القسم الثاني فيحكمه محمد، وهذا يضم أذربيجان وأرمينية وديار بكر والموصل، مع أن الموصل كانت تحت حكم بركياروق قبل الصلح، وهذا سيؤدي إلى بعض المشاكل التي سنتعرض لها. وأما القسم الثالث والأخير فلأخيهما الثالث سنجر، وهذا يحكم خراسان (شرق إيران) وبلاد ما وراء النهر[2].
لقد كان هذا هو الحل الذي لجأ إليه الأخوان، وهو خطأ شرعي سياسي لا ريب، ولا ندري كيف وصل بهما الحال إلى الوقوع في هذا الخطأ، مع ما يوصف به كل منهما من حسن الخلق، وجمال السيرة، والعدل في الملك، وما إلى ذلك من صفات جليلة!
لكن الشاهد من الأحداث أن النفوس سكنت لهذا الصلح، وعمَّ الأمن في البلاد، واختفت سحب الحرب التي كانت تظلل هذه المنطقة من العالم الإسلامي.
كانت هذه هي الأخبار في القسم الشرقي من العالم الإسلامي، وهي مفرحة إلى حد كبير حيث تم انتصار البليخ كما ذكرنا، وكذلك الصلح بين الأخوين.
المسلمون في الشام
لكن الحال في بلاد الشام لم يكن مفرحًا قَطُّ في هذه السنة، ولا في التي بعدها! وهذا حال متوقع لما ذكرناه قبل ذلك من أسباب كذهاب العلم، وضياع قيمة الجهاد، وسلبية الشعب، وتسلط الحكام، وما إلى ذلك من أمراض. ولعل أبرز الأحداث التي رأيناها في أرض الشام في هاتين السنتين تشمل الآتي:
أولاً: استولى الصليبيون على ميناء جبيل في لبنان جنوب طرابلس، وذلك بمعونة أسطول بحري جنوي، وغدر الصليبيون بأهل جبيل بعد إعطائهم الأمان[3]، وكافأ ريمونُ الرابع الأسطولَ الجنويّ الذي أسقط جبيل بإعطائه ثلث مدينة جبيل، لتصبح جبيل فيما بعد مستوطنة جنوية[4]، وبسقوط جبيل يكون ريمون الرابع قد وضع الحدود المتوقعة لإمارة طرابلس، حيث يحدها من الشمال مدينة طرطوس، ومن الجنوب مدينة جبيل، ويبقى فقط أن يُسقِط المدينة الكبرى (طرابلس)[5].
ثانيًا: أتم ريمون الرابع بناء قلعة كبيرة في مواجهة طرابلس مباشرة سماها سانت جيل، Saint Gilles، والمعروفة في المصادر العربية بقلعة الصنجيل، وقد بناها ريمون الرابع ليستخدمها في إسقاط طرابلس، ولقد نُقِلت الأخشاب اللازمة لبنائها من قبرص بواسطة الأسطول البيزنطي المساعد لريمون[6]، ولم يتحرك أحد من المسلمين في المنطقة لهدم القلعة أو منع بنائها، مع أن طرابلس محاطة من شمالها الشرقي وشرقها وجنوبها الشرقي بإمارتي دمشق وحمص التابعتين لدقاق بن تتش، وحيث توجد حمص على مسافة أقل من 90 كيلو مترًا، ودمشق على مسافة أقل من 120 كيلو مترًا.
ثالثًا: حادث آخر مفجع هزَّ العالم هو سقوط مدينة عكا الحصينة في سنة (497هـ) مايو 1104م، وكان سقوطها مفجعًا لأنها أحصن مدن الشام مطلقًا، وسقوطها يعني سقوط بقية المدن تقريبًا، كما أنه سيمنع وصول الإمدادات البحرية للمسلمين بعد ذلك، هذا إضافةً إلى المجزرة التي تمت في المدينة بعد سقوطها، على الرغم من الأمان الذي أعطاه الصليبيون للسكان، وقد تم سقوط المدينة بمساعدة الأسطول الجنويّ الذي أسقط جبيل قبل ذلك[7]! ولهذا أعطى بلدوين الأول ثلث مدينة عكا للأسطول الجنويّ، وصارت عكا مدينة تابعة لمملكة بيت المقدس[8].
رابعًا: بعد رحيل بوهيموند إلى إيطاليا بدأ تانكرد يرتب أوراقه وينظم جيشه، ودخل في سنة (498هـ) ربيع 1105م في معركة كبيرة مع رضوان ملك حلب، وانتصر في هذه المعركة ليسترد بها حصن أرتاح، وليقتل من المسلمين ثلاثة آلاف رجل[9]!
خامسًا: تلقى العبيديون هزيمة أخرى في منطقة الرملة في 498هـ/ 27 من أغسطس سنة 1105م، وهو ما يعرف في التاريخ بموقعة الرملة الثالثة، حيث هُزم الجيش العبيدي وتشتت شمله في محاولة فاشلة لاسترداد بيت المقدس[10]. ولعلَّ هذه هي آخر المحاولات الجادة التي بذلها العبيديون لاسترداد القدس[11].
سادسًا: تُوفِّي دقاق بن تتش في رمضان (496هـ) 1103م، وتولى من بعده أتابكه طغتكين، وهو أحد مماليك تتش بن ألب أرسلان والد دقاق[12]، وكان قائدًا عسكريًّا قويًّا صاحب خبرة مما جعل تتش يوكل إليه مهمة تربية دقاق، ومن ثَمَّ أعطاه لقب أتابك (أي مربي الأمير)، ولكن عندما ضعف الأمراء السلاجقة صار للأتابكة العسكريين دور كبير في تسيير الأمور، بل وأحيانًا صار لهم الحكم صراحة، كما هو في حالتنا هذه، فقد أصبح طغتكين هو حاكم دمشق وحمص[13].
وبذلك انتهى حكم السلاجقة تمامًا لهاتين المدينتين، ولكن على العموم فإن طغتكين كان أفضل كثيرًا من دقاق حيث آثر العدل مع الرعية[14]، وحرص في فترات كثيرة من حياته على حرب الصليبيين، وإن كانت قوته وقوة جيشه لم تمكِّنه من تحقيق نصر حاسم في حياته، وولاية طغتكين تُعَد بداية فترة حكم للتركمان استمرت مدة 52 سنة، حيث انتهت سنة (549هـ) 1154م.
سابعًا: تُوفِّي أيضًا في 2 من ربيع الآخر سنة (498هـ) ديسمبر 1104م السلطان بركياروق سلطان السلاجقة في منطقة فارس والعراق، وهذا بعد إتمام الصلح مع أخيه محمد كما مرَّ بنا -وكان يبلغ من العمر عند وفاته خمسًا وعشرين سنة فقط[15]- وبعد عدة فتن، ونتيجة لموته استقام الأمر لأخيه السلطان محمد، فصار يحكم أملاكه وأملاك أخيه بركياروق، وهذا وحَّد الأمة في هذه المنطقة لفترة 12 سنة متصلة[16].
ثامنًا: من الشخصيات المهمة التي تُوفِّيت أيضًا في سنة (498هـ) فبراير 1105م الأمير الفرنسي الشهير ريمون الرابع! وقد تُوفِّي في القلعة التي بناها في مواجهة طرابلس لحصارها، وكانت النار قد اشتعلت في القلعة نتيجة مقاومة أهل طرابلس للحصار، فسقطت بعض الأخشاب المحترقة على ريمون، فمات متأثرًا بجراحه[17]. وهكذا فقد الصليبيون زعيمًا شرسًا من زعمائهم دون أن يرى لنفسه إمارة كأقرانه[18]، وقد ترك حكم جيشه بعد ذلك لابن خالته وليم جوردان الذي استأنف سياسة ريمون بكاملها حيث صمم على إسقاط طرابلس، ومن ثَمَّ استمر في حصارها، وكذلك تعاون مع الإمبراطور البيزنطي ألكسيوس كومنين كما كان يفعل ريمون[19].
تاسعًا: حدثت أزمة في إمارة الموصل نتيجة محاولة السلطان محمد السيطرة على مدينة الموصل ورفض جكرمش لهذه السيطرة لولائه لبركياروق، مع أن الموصل كانت في الصلح الذي تمَّ بين بركياروق ومحمد من حق السلطان محمد، إلا أن جكرمش كانت له ميول استقلالية جعلته يرفض تسليم المدينة، غير أن أخبار وفاة بركياروق ما لبثت أن أتت، ومن ثَمَّ اضطر جكرمش إلى التسليم للسلطان محمد، وإن كان هذا التسليم مؤقتًا كما سيتبين لنا[20].
عاشرًا: فَقَد المسلمون في سنة (498هـ)1105م شخصية مهمة كان لها دور بارز في جهاد الصليبيين، وهو سقمان بن أرتق صاحب حصن كيفا، والذي حقق الانتصار في موقعة البليخ بالاشتراك مع جكرمش كما فصلنا، ولقد كان موته مؤثرًا جدًّا، حيث كان في سرية عسكرية هبت لنجدة طرابلس عندما استغاثه حاكمها ابن عمار لحصار ريمون ثم وليم جوردان لها، وعلى الرغم من كون ابن عمار شيعيًّا وجيشه كذلك، إلا أن سقمان بن أرتق -رحمه الله- لم ينظر إلى ذلك، إنما نظر إلى العدو المشترك للسنة والشيعة وهو العدو الصليبي.
ومن ثَمَّ تقدم في بسالة، قاطعًا المسافات من حصن كيفا إلى طرابلس (ما يقرب من ستمائة كيلو متر)، وكان سقمان مريضًا بداء الخوانيق -وهو مرض يعني حدوث اختناق في التنفس- وكان يأتيه في نوبات، فجاءته هذه النوبة وهو عند القريتين (على بعد 120 كم من طرابلس)، وعرض عليه أصحابه أن يعودوا به إلى حصن كيفا؛ حيث لن يقدر على القتال في هذه الحالة، فقال كلمته الخالدة: "بل أسير، فإن عوفيت تممت ما عزمت عليه، ولا يراني الله تثاقلت عن قتال الكفار خوفًا من الموت، وإن أدركني أجلي كنت شهيدًا سائرًا في جهاد". فساروا به صوب طرابلس، ولكنه مات بعد يومين[21]!!
إنه صورة مشرقة في وسط هذا الركام أبتْ إلا أن تلقى الله U مقبلة غير مدبرة، فرحمه الله رحمة واسعة، وجعل مسيره هذا طريقًا له إلى الجنة.
[1] ابن الأثير: الكامل في التاريخ 9/70، 71.
[2] ابن الأثير: الكامل في التاريخ 9/71، 72.
[3] ابن الأثير: الكامل في التاريخ 9/72،
Albert d`Aix, p. 606.
[4] Heyd: op. cit., 1, p. 139.
[5] سعيد عاشور: الحركة الصليبية 1/290.
[6] ابن الأثير: الكامل في التاريخ 9/95.
[7] ابن الأثير: الكامل في التاريخ 9/72،
Runciman, ll, p. 139.
[8] Guillaume de Tyr, 1, p. 445.
[9] ابن الأثير: الكامل في التاريخ 9/85،84.
[10] ابن الأثير: الكامل في التاريخ 9/85،
Gesta Francorum, p. 541.
[11] سعيد عاشور: الحركة الصليبية 1/247.
[12] ابن الأثير: الكامل في التاريخ 9/74 (ذكر ابن الأثير أن وفاته كانت سنة 497هـ، وعلى ذلك نص ابن القلانسي)، وابن كثير: البداية والنهاية 12/246.






التعليقات
إرسال تعليقك