التاريخ الإسلامي
دون تشويه أو تزوير
التاريخ الإسلامي يمتد منذ بداية الدعوة الإسلامية بعد نزول الوحي على رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم تأسيس الدولة الإسلامية بالمدينة المنورة وحكم الخلفاء الراشدين، مرورًا بالدولة الأموية فالدولة العباسية بما تضمنته من إمارات ودول مثل السلاجقة والغزنوية في وسط آسيا والعراق وفي المغرب الأدارسة والمرابطين ثم الموحدين وأخيرًا في مصر الفاطميين والأيوبيين والمماليك ثم سيطرة الدولة العثمانية التي تعتبر آخر خلافة إسلامية على امتداد رقعة جغرافية واسعة، وهذه البوابة تعنى بتوثيق التاريخ من مصادره الصحيحة، بمنهجية علمية، وعرضه في صورة معاصرة دون تشويه أو تزوير، وتحليل أحداثه وربطها بالواقع، واستخراج السنن التي تسهم في بناء المستقبل.
ملخص المقال
قبيل استخلاف علي بن أبي طالب وقعت جريمة متمردي الكوفة، والبصرة، ومصر، حين حاصروا عثمان بن عفان في بيته، ثم قتلوه، وسيطروا على المدينة، ولم يتمكن الصحابة
قبيل استخلاف علي بن أبي طالب وقعت جريمة متمردي الكوفة، والبصرة، ومصر، حين حاصروا عثمان بن عفان في بيته، ثم قتلوه، وسيطروا على المدينة، ولم يتمكن الصحابة القليلون في المدينة من منع الكارثة، وكان جل الصحابة إما في الحج، أو في الأمصار المختلفة.
هذه أسوأ ظروف يتم فيها اختيار خليفة منذ وفاة النبي صلى الله عليه وسلم:
1. العاصمة «المدينة» تحت سيطرة المتمرِّدين
2. لا يدري المسلمون تمامًا كيف تسير الأمور في الأمصار البعيدة لغياب الاتصالات.
3. لم تكن خطوات المتمردين متوقَّعة، وقد يتهوَّرون بقتل رموز أخرى في المدينة
4. يمكن لبعض الصحابة أن يأخذوا قرارات فرديَّة متناقضة في ظلِّ غياب خليفة.
لم يجد الصحابة رضي الله عنهم في هذا الظرف أفضل من عليِ بن أبي طالب رضي الله عنه للخلافة:
1. أفضل الصحابة الأحياء الآن،
2. كان المرشَّح للخلافة مع عثمان رضي الله عنه منذ اثني عشر عامًا.
3. أحد الستة المناسبين للحكم في رأي عمر حين طُعِن، وقد صاروا أربعة الآن بعد مقتل عثمان، ووفاة عبد الرحمن بن عوف (علي، وطلحة، والزبير، وسعد بن أبي وقاص)
4. هناك أحاديث نبوية تشير إلى أفضلية هذا الترتيب للخلفاء الراشدين. نعم الأحاديث في ترتيب الثلاثة الأوائل كثيرة، لكن هناك روايتان يستنبط منهما ولاية عليٍّ رضي الله عنه بعدهم:
a. روى أبو داود وأحمد عن سَمُرَةَ بْنِ جُندُبٍ رضي الله عنه: أنَّ رجلًا قال: يا رسول الله، «إِنِّي رَأَيْتُ كَأَنَّ دَلْوًا دُلِّيَ مِنَ السَّمَاءِ فَجَاءَ أَبُو بَكْرٍ، فَأَخَذَ بِعَرَاقِيهَا (الأعواد التي يعلق بها حبل الدلو) فَشَرِبَ شُرْبًا ضَعِيفًا (قصر مدة خلافته)، ثُمَّ جَاءَ عُمَرُ فَأَخَذَ بِعَرَاقِيهَا فَشَرِبَ حَتَّى تَضَلَّعَ (استوفى الشرب، أي طالت خلافته)، ثُمَّ جَاءَ عُثْمَانُ فَأَخَذَ بِعَرَاقِيهَا فَشَرِبَ حَتَّى تَضَلَّعَ، ثُمَّ جَاءَ عَلِيٌّ فَأَخَذَ بِعَرَاقِيهَا فَانْتَشَطَتْ (اضطربت)، وَانْتَضَحَ عَلَيْهِ مِنْهَا شَيْءٌ».
b. وحديث العشرة المبشَّرين بالجنَّة واضحٌ أيضًا في الترتيب؛ فعند الترمذي والنسائي عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ رضي الله عنه، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «أَبُو بَكْرٍ فِي الجَنَّةِ، وَعُمَرُ فِي الجَنَّةِ، وَعُثْمَانُ فِي الجَنَّةِ، وَعَلِيٌّ فِي الجَنَّةِ، وَطَلْحَةُ فِي الجَنَّةِ، وَالزُّبَيْرُ فِي الجَنَّةِ، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ فِي الجَنَّةِ، وَسَعْدٌ فِي الجَنَّةِ، وَسَعِيدٌ فِي الجَنَّةِ، وَأَبُو عُبَيْدَةَ بْنُ الجَرَّاحِ فِي الجَنَّةِ».
هذا كان رأي معظم الصحابة (في المدينة وغيرها)، لكن ماذا كان رأي عليٍّ نفسه؟
مع أنَّ عليًّا رضي الله عنه كان موافقًا على تقلُّد الخلافة بعد مقتل عمر رضي الله عنه، بل كان هو وبنو هاشم يتوقَّعون أن تذهب الخلافة إليه آنذاك، فإنَّه الآن صار زاهدًا في الأمر بصورةٍ كبيرة:
1. لشعوره بأنَّ الزمن زمن فتنة، والاختبار صعب، والمسئولية ضخمة، والتبعات مريرة،
2. كان يَدْفَع شبهةً مؤسفة وهي شبهة رضاه عن قتل عثمان رضي الله عنه، وسيكون تقلُّده للخلافة بعد مقتل الخليفة الشهيد أمرًا داعمًا عند البعض لهذه الشبهة الباطلة.
يروي هذا الموقف ابنه مُحَمَّدٌ ابْنُ الْحَنَفِيَّةِ قَالَ: ".. أَتَاهُ النَّاسُ فَضَرَبُوا عَلَيْهِ الْبَابَ، فَدَخَلُوا عَلَيْهِ فَقَالُوا: إِنَّ هَذَا الرَّجُلَ قَدْ قُتِلَ وَلَا بُدَّ لِلنَّاسِ مِنْ خَلِيفَةٍ، وَلَا نَعْلَمُ أَحَدًا أَحَقَّ بِهَا مِنْكَ، فَقَالَ لَهُمْ عَلِيٌّ رضي الله عنه: «لَا تُرِيدُونِي، فَإِنِّي لَكُمْ وَزِيرٌ خَيْرٌ مِنِّي لَكُمْ أَمِيرٌ»، فَقَالُوا: لَا وَاللَّهِ مَا نَعْلَمُ أَحَدًا أَحَقَّ بِهَا مِنْكَ، قَالَ: «فَإِنْ أَبَيْتُمْ عَلَيَّ فَإِنَّ بَيْعَتِي لَا تَكُونُ سِرًّا، وَلَكِنْ أَخْرُجُ إِلَى الْمَسْجِدِ فَمَنْ شَاءَ أَنْ يُبَايِعَنِي بَايَعَنِي»، قَالَ: فَخَرَجَ إِلَى الْمَسْجِدِ فَبَايَعَهُ النَّاسُ".
ويقول عَبْدُ اللهِ بْنُ عَبَّاسٍ تعليقًا على موقف عليٍّ: "فَلَقَدْ كَرِهْتُ أَنْ يَأْتِيَ الْمَسْجِدَ كَرَاهِيَةَ أَنْ يُشْغَبَ عَلَيْهِ، وَأَبَى هُوَ إِلَّا الْمَسْجِدَ، فَلَمَّا دَخَلَ جَاءَ الْمُهَاجِرُونَ وَالْأَنْصَارُ فَبَايِعُوا وَبَايَعَ النَّاسُ».
من كلام ابن عباس يتضح أن المهاجرين والأنصار بالمدينة بايعوا عليًّا، وهم أهل الحلِّ والعقد في الدولة، أو هم بمثابة ممثِّلي الشعب في زماننا الحاضر، واختيارهم مُلْزِمٌ لعموم الدولة، وبالتالي فالبيعة شرعيَّة وصحيحة، ويكاد يكون متَّفقًا عليها.
من المهم هنا أيضًا التأكيد على أن طلحة والزبير بايعا طائعين غير مكرهين:
لماذا نذكرهما تحديدًا؟ لأنه أشيع في زمن عليٍّ نفسه أنهما بايعا مكرهين من أهل الفتنة، ولأنهما لاحقًا سيحاربون عليًّا في موقعة الجمل، ولكن الحقيقة أنه لم يكن هناك إكراه:
1. روى ابن أبي شيبة بسند صحيح أن عليَّ بن أبي طالب رضي الله عنه، قال: «إنَّ طَلْحَةَ وَالزُّبَيْرَ بَايَعَا طَائِعَيْنِ غَيْرَ مُكْرَهَيْنِ»
2. وعنده أيضًا عن زيد بن وهب أن عليًّا رضي الله عنه قال لِطَلْحَةَ، وَالزُّبَيْرِ في البصرة: أَلَمْ تُبَايِعَانِي؟ فَقَالَا: نَطْلُبُ دَمَ عُثْمَانَ رضي الله عنه..»، ففي الحوار لم ينكر الصحابيان البيعة، ولم يذكرا الإكراه.
3. وعند الطبري بسند صحيح مرسل إلى مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ يَقُولُ: إِنَّ عَلِيًّا رضي الله عنه جَاءَ فَقَالَ لِطَلْحَةَ رضي الله عنه: ابْسُطْ يَدَكَ يَا طَلْحَةَ لأُبَايِعَكَ، فقال طلحة رضي الله عنه: أنت أحقُّ، وأنت أَمِيرُ المُؤْمِنِينَ، فَابْسُطْ يَدَكَ، قَالَ: فَبَسَطَ عَلِيٌّ رضي الله عنه يَدَهُ فَبَايَعَهُ.
4. وكان طلحة والزبير ينصحان الناس ببيعة عليِّ بن أبي طالب رضي الله عنه للخلافة في حال قَتْلِ عثمان رضي الله عنه، وذلك قبل استشهاده؛ فعن الْأَحْنَفِ بن قيس قال: «.. فَانْطَلَقْتُ فَأَتَيْتُ طَلْحَةَ وَالزُّبَيْرَ فَقُلْتُ: مَا تَأْمُرَانِي بِهِ وَمَنْ تَرْضَيَانِهِ لِي، فَإِنِّي لَا أَرَى هَذَا إِلَّا مَقْتُولًا؟ قَالَا: نَأْمُرُكَ بِعَلِيٍّ رضي الله عنه، قَالَ: قُلْتُ: تَأْمُرَانِي بِهِ وَتَرْضَيَانِهِ لِي؟ قَالَا: نَعَمْ، قَالَ: ثُمَّ انْطَلَقْتُ حَاجًّا حَتَّى قَدِمْتُ مَكَّةَ، فَبَيْنَا نَحْنُ بِهَا إِذْ أَتَانَا قَتْلُ عُثْمَانَ رضي الله عنه، وَبِهَا عَائِشَةُ أُمُّ المُؤْمِنِينَ، فَلَقِيتُهَا فَقُلْتُ لَهَا: مَنْ تَأْمُرِينِي بِهِ أَنْ أُبَايِعَ؟ فَقَالَتْ: عَلِيًّا رضي الله عنه، فَقُلْتُ: أَتَأْمُرِينَنِي بِهِ وَتَرْضَيْنَهُ لِي؟ قَالَتْ: نَعَمْ..».
ومع ذلك فقد وردت روايات صحيحة تشير إلى أن طلحة رضي الله عنه كان «كارهًا» للبيعة وليس «مُكْرَهًا»، والفرق بينهما كبير؛ فعَنْ إِبْرَاهِيمَ بنِ عبد الرحمن بن عوف قَالَ: بَلَغَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ رضي الله عنه أَنَّ طَلْحَةَ رضي الله عنه، يَقُولُ: إِنَّمَا بَايَعْتُ وَاللُّجُّ (السيف) عَلَى قَفَايَ، قَالَ: فَأَرْسَلَ ابْنَ عَبَّاسٍ فَسَأَلَهُمْ، قَالَ: فَقَالَ أُسَامَةُ بْنُ زَيْد: أَمَّا وَاللُّجُّ عَلَى قَفَاهُ فَلَا أَعْلَمُ، وَلَكِنْ قَدْ بَايَعَ وَهُوَ كَارِهٌ، قَالَ: فَوَثَبَ النَّاسُ إِلَيْهِ حَتَّى كَادُوا أَنْ يَقْتُلُوهُ»! فطلحة رضي الله عنه كان كارهًا للبيعة لكونها تمَّت بهذه الصورة التي أرهب فيها المتمرِّدون أهلَ المدينة لكي يُسْرعوا باختيار الخليفة، ودليل ذلك أن الناس في الرواية، وهم المتمرِّدون، كادوا أن يقتلوا أسامة بن زيد عندما صرَّح بذلك.
كان المتمرِّدون يريدون الإسراع بإتمام البيعة لأحد الصحابة لأنَّ بقاء الوضع المضطرب دون خليفةٍ قد يقلب الأوضاع عليهم، خاصَّةً إذا قدمت جيوش الدولة من هنا أو هناك، وهذا هو ما وضع المدينة تحت هذا الضغط العصبي الشديد.
هكذا تمَّت البيعة، وهي بيعةٌ صحيحةٌ بلا جدال:
1. حتى لو لم يُبايع جميع الصحابة فإنَّه لا يُشترط الإجماع إنَّما تكفي مبايعة الأغلب، ومن ثمَّ لا يُنْظَر في صحة المبايعة إلى وجود بعض الرافضين لها، أو المتأخرين عنها، وسنرى لاحقًا عدم بيعة معاوية بن أبي سفيان، وكذلك عمرو بن العاص رضي الله عنه، وهذا لا يمنع صحَّة البيعة أبدًا.
2. بايع أهل الفتنة عليًّا رضي الله عنه كذلك، ولكن بيعتهم هذه لم تكن تُقَدِّم أو تؤخِّر في الأمر شيئًا، وغاية ما هنالك أنها توافقت مع بيعة أهل الحلِّ والعقد، ومن هنا لا ينبغي لأحد أن يتشبَّث بفكرة أن البيعة باطلة لأن الذي عقدها هم المتمرِّدون، فالمتمرِّدون وافقوا أهل الحلِّ والعقد على رأيهم، ومن قدر الله أن المتمردين المصريين، وهم الغالبون على الوفود كلها، كانوا يريدون عليًّا رضي الله عنه كما أراده الصحابة، فتمَّ الأمر في سلاسة على الرغم من الأجواء المتوتِّرة.
3. لم يكن هناك من يُنافس عليًّا رضي الله عنه في هذا الأمر، ولم يعترض الرَّافضون للبيعة، كمعاوية بن أبي سفيان، وعمرو بن العاص رضي الله عنه، وبقيَّة أهل الشام كما سنرى، على شخص علي بن أبي طالب رضي الله عنه، إنما رأوه هو المستحقُّ دون غيره للخلافة، ولكنَّهم اشترطوا -كما سيأتي- قَتْلَ قَتَلَةِ عثمان رضي الله عنه قصاصًا قبل المبايعة، وبعدها يُبايعون عليًّا رضي الله عنه لا أحد غيره.
هذا الكلام يقودنا للحديث عن قَدْرِ الخليفة الرَّاشد الرابع عليِّ بن أبي طالب رضي الله عنه، وقيمته في ميزان الإسلام.
لمشاهدة الحلقة على اليوتيوب اضغط هنا






التعليقات
إرسال تعليقك