المقال السابق:
د. راغب السرجاني
المشرف العام على الموقع
طبيب ومفكر إسلامي، وله اهتمام خاص بالتاريخ الإسلامي، رئيس مجلس إدارة مركز الحضارة للدراسات التاريخية بالقاهرة، صاحب فكرة موقع قصة الإسلام والمشرف عليه، صدر له حتى الآن 58 كتابًا في التاريخ والفكر الإسلامي.
ملخص المقال
المقاومة العراقية مقال بقلم د. راغب السرجاني يحلل فيه كثرة فصائل المقاومة العراقية، فمن هم المقاومون العراقيون؟ وما توجهاتهم؟ وما خططهم المستقبلية؟
لا شك أن المقاومة العراقية أحدثت الكثير من الإصابات والآلام في الجيش الأمريكي المحتل، وتطالعنا الأخبار يوميًّا بمقتل عدد من الجنود الأمريكان وتفجير المعدات الحربية؛ مما يؤكد مرارًا على أن دخول الأمريكان إلى العراق لم ولن يكون نزهة عسكرية بسيطة، ولعل ما يؤكد على الأثر المهم الذي تحدثه المقاومة العراقية هو صيحات الرفض المتكررة التي نراها في أمريكا تطالب بسحب القوات الأمريكية من العراق بعد رؤية خسائر لم تكن متوقعة، ونتائج لم تكن محسوبة.
كل هذا يؤكد أن هذه المقاومة الباسلة تُحدِث أثرًا لا يمكن إغفاله.
لكن من هم المقاومون العراقيون؟ وما توجهاتهم؟ وما خططهم المستقبلية؟
إنك إن سألت مسلمًا - أيًّا كانت ثقافته ودرايته - عن المقاومة العراقية فإنه سيتردد كثيرًا قبل الإجابة!
فلماذا التردد؟!
لأن واقع الأمر يقول: إنه ليس هناك كيان واضح معروف اسمه المقاومة العراقية، وليس هناك قائد معين محدَّد تستطيع أن تقول إنه هو الذي يقود هذه المقاومة، ومَرَدُّ هذا الإبهام هو كثرة عدد الفصائل القائمة بمقاومة الاحتلال، حتى صارت أكثر من خمسين فصيلاً! وهذه الكثرة رغم أنها تعكس صورة إيجابية تمثل كثرة الرافضين للاحتلال الأمريكي إلا أنها في الوقت نفسه تعكس فُرقة في الصفِّ وعدم توحيد الاتجاه، وهذا - ولا شك - يؤثر سلبًا على المقاومة، وفي نفس الوقت يشتِّت المحلِّل للأحداث، فترانا لا ندري من هذا ومن ذاك.
إن رسولنا صلى الله عليه وسلم يقول بوضوح: "يد الله مع الجماعة1، وإذا فَقِه المقاومون في العراق هذه الحقيقة، ووحَّدوا جهودهم، فلا شك أن هذا سيكون من أهم عوامل النجاح والتأثير."
![]() |
| اتحاد فصائل المقاومة هو نهاية الأمريكان في العراق |
ولا ننكر أن الوَحْدة تحتاج إلى جهد كبير، وإلى صبر عظيم، هكذا قال الله عز وجل: "وَلاَ تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ" (الأنفال: 46)؛ فعدم التنازع وتوحيد الاتجاه يحتاج إلى صبر، وإلى تنازلٍ عن بعض الآراء الخاصة، والمصالح الذاتية في سبيل توحيد المجموع في كيان كبير.
ولعل من النقاط التي تُصعِّب عملية الوحدة في العراق هي التوجُّهات المختلفة لهذه الفصائل الكثيرة، ويمكن أن نقول إجمالاً: إنها تنقسم إلى ثلاثة اتجاهات رئيسية: إسلاميَّة وقوميَّة ووطنيَّة؛ وكل من هذه الاتجاهات يحوي في داخله عددًا كبيرًا من الجماعات والرؤى المختلفة ممَّا يصعب الوحدة بشكل أكبر.
ومع ذلك فإن هناك بوادر طيبة تشير إلى بدء مشروع الوحدة بين بعض الفصائل، وإن لم يكن في الصورة الكاملة المنشودة، فهناك على سبيل المثال المجلس السياسي للمقاومة العراقية المتكوِّن من اتحاد الجبهة الإسلامية للمقاومة العراقية، وحركة المقاومة الإسلامية بالعراق، وجبهة الجهاد والإصلاح والتي تضم بدورها عددًا من الفصائل الإسلامية الجهادية، وهناك أيضًا جبهة الجهاد والتغيير وهي تضم عددًا آخر من الفصائل المقاومة، وهكذا.
إن هذه الحركات التوحدية بين هذه الفصائل لبداية طيبة لمقاومة رشيدة واعية، ومع ذلك فأنا لا أعتقد أن مجرد الوحدة ستنفع في هذا الأمر، بل لا بد من الاندماج الكامل في كيان واحد يتفق عليه المجموع؛ بحيث يصبح كيان المقاومة العراقية كيانًا واضحًا صاحب اتجاه واحد.
وهذا وإن كان صعبًا إلا أنه ليس مستحيلاً بإذن الله.
إن الذي يجمع الفصائل المختلفة الآن هو وجود الاحتلال الأمريكي، ويُخشَى جدًّا على رجال المقاومة العراقية أن يدخلوا في صراعات جانبية كثيرة بعد خروج الأمريكان من العراق، هذا إذا لم يكن اندماجهم كاملاً، ورؤيتهم واحدة وواضحة، وليست قصة أفغانستان منَّا ببعيد!
![]() |
| توحدت فصائل المقاومة الأفغانية وهزمت الروس |
لقد نجحت "الفصائل" الأفغانية المختلفة في إخراج الروس من أفغانستان سنة 1989م، ولكن - للأسف الشديد - وقعت فريسة للتنازع والصراع الداخلي؛ مما أدى إلى تدهور الأوضاع بشكل مخيف، وصل بنا إلى الحال الذي نحن فيه الآن حيث يحكم أفغانستانَ الأمريكان من وراء حكومة متعاونة معهم بشكل سافر.
إن هذا الكلام في منتهى الأهمية والخطورة، خاصةً ونحن نرى الأطماع الإيرانية الواضحة في العراق، ولا يُستَبْعَد أن يخرج العراقيون من أزمة الأمريكان ليجدوا أنفسهم - إن لم يتوحدوا صدقًا - فريسة للاحتلال الإيراني، سواء السياسي أو العسكري.
وأخيرًا مع أننا دائمًا نؤكِّد على الحرص على إسلامية القضية وتوجيه العمل كله لله، إلا أننا لا نمانع في وضع اليد في اليد مع الفصائل القومية والوطنية من أجل عمل واحد نبيل، هو تحرير العراق من الاحتلال.
على أن هذه الخطوة لا بد أن تكون بمعايير واضحة، وأسس ثابتة، وقوانين لا تحتمل التأويل؛ لكي لا يحدث صراع غير محمود نظرًا لاختلاف التوجهات، وتعدد الأهداف، وما أحداث الصراع بين التوجهات العلمانية الفلسطينية وبين حماس الإسلامية بخافية على أحد.
إننا نعلم علمًا يقينًا أن المقاومة العراقية ستفلح - بإذن الله - في هزيمة الأعداء، وتحرير البلاد الإسلامية، ولكن ما نحرص عليه بشدة هو أن ينجح العراقيون في حفظ بلادهم في مرحلة ما بعد الانتصار، ولا يقولنَّ أحد: عندما يأتي الانتصار نفكر في هذا الأمر، فإنه آتٍ لا محالة بإذن الله، والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون.
[1] رواه الترمذي (2166) ترقيم أحمد شاكر، وقال الشيخ الألباني: صحيح. انظر حديث رقم (3621) في صحيح الجامع








التعليقات
إرسال تعليقك