د. راغب السرجاني
المشرف العام على الموقع
طبيب ومفكر إسلامي، وله اهتمام خاص بالتاريخ الإسلامي، رئيس مجلس إدارة مركز الحضارة للدراسات التاريخية بالقاهرة، صاحب فكرة موقع قصة الإسلام والمشرف عليه، صدر له حتى الآن 58 كتابًا في التاريخ والفكر الإسلامي.
ملخص المقال
وصدق اليهودي الكاذب مقال بقلم د. راغب السرجاني، يوضح فيه كيد اليهود قديما وحديثا بوحدة المسلمين، وما فعله شاس بن قيس اليهودي بالأوس والخزرج أكبر شاهد على

يُعَدُّ الكذب من الصفات الخبيثة الراسخة في النفس اليهودية، وهو كذب لا يتوقف عند حدٍّ أو مقدَّس، فهو يتجاوز الكذب على الناس حتى يصل إلى الكذب على الله سبحانه وتعالى، يقول تعالى: "وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ" آل عمران: 75.
ومع ذلك فأحيانًا تخرج كلمات صدقٍ من هؤلاء الكاذبين، وهذه الكلمات توضح حقيقة الصراع، وأسباب النصر والغَلَبَة، ومن ذلك ما ورد عن شيخ من شيوخهم ساءه أن يرى المسلمين متآخين سعداء؛ فقد مَرَّ شاس بن قيس ـ وكان شيخًا يهوديًا، عظيم الكفر، شديد الضغَن على المسلمين، شديد الحسد لهم ـ على نفرٍ من أصحاب رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم من الأوس والخزرج في مجلس قد جمعهم يتحدثون فيه، فغاظه ما رأى من أُلفتهم وجماعتهم وصلاح ذات بينهم على الإسلام بعد الذي كان بينهم من العداوة في الجاهلية، فقال: "قد اجتمع مَلأ بني قيلة بهذه البلاد. لا والله ما لنا معهم إذا اجتمع ملؤهم بها من قرار" وهذه هي كلمة الصدق التي نعنيها، ولنا عليها تعليق بعد قليل.. ثم ماذا فعل اليهودي؟ لقد أمر فتىً شابًّا من يهود كان معه؛ فقال: اعْمِدْ إليهم فاجلس معهم، ثم اذكر يومَ بُعَاثَ وما كان قبله، وأَنْشِدْهم بعض ما كانوا تقاولوا فيه من الأشعار، ففعلْ، فتكلَّمَ القوم عند ذلك، وتنازعوا، وتفاخروا حتى تَوَاثَبَ رجلان من الحيين على الرَّكب: أوس بن قيظِيّ أحد بني حارثة بن الحارث من الأوس، وجَبَّار بن صخر، أحد بني سلمة من الخزرج، فتقاولا، ثم قال أحدهما لصاحبه: إن شئتم رددناها الآن جَذَعَة، فغضب الفريقان جميعًا، وقالوا: قد فعلنا، موعدكم الظاهرة ـ الحَرَّة ـ السلاحَ السلاحَ.
فخرجوا إليها، فبلغ ذلك رسولَ الله صلّى الله عليه وسلَّم، فخرج إليهم فيمن معه من أصحابه المهاجرين حتى جاءهم فقال: "ياَ معشر المسلمين اللهَ اللهَ، أبدعوى الجاهلية وأنا بين أظهركم بعد أن هداكم اللهًُ، وأَلَّف بين قلوبكم"؛ فعرف القوم أنها نزغة من الشيطان، وكيدٌ من عدوهم، فبكوا وعانَقَ الرجال من الأوس والخزرج بعضُهم بعضًا، ثم انصرفوا مع رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم سامعين مطيعين قد أطفأ اللهُ عنهم كيد عدو الله شاس بن قيس.
إن ما يهمنا من هذه القصة ليس هو الإقرار بحتمية الصراع بين الإخوة - فهذا ليس القاعدة - وإنما يهمنا أولاً: معرفة أن النفوس البشرية تتباين في أفكارها ومشاربها ورغباتها، وأنها إما أن تتفق فيحدث الود المتبادل، وإما أن تختلف فيحدث التنازع الذي قد يكون فكريًّا، وقد يتطور ليصير صراعًا عنيفًا يسقط فيه القتلى والجرحى..
ومن هنا فليس من المستغرب أن يحدث صراع بين الإخوة في قُطرٍ من الأقطار، فاللهُ عز وجل يقول: "وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا..."، فحَكَمَ لهما عز وجل بالإيمان رغم حدوث القتال بينهما، وقد أخبر الرسول صلَّى الله عليه وسلَّم في حديثه: "وَإِنِّي سَأَلْتُ رَبِّي لِأُمَّتِي أَنْ لَا يُهْلِكَهَا بِسَنَةٍ عَامَّةٍ وَأَنْ لَا يُسَلِّطَ عَلَيْهِمْ عَدُوًّا مِنْ سِوَى أَنْفُسِهِمْ فَيَسْتَبِيحَ بَيْضَتَهُمْ؛ وَإِنَّ رَبِّي قَالَ: يَا مُحَمَّدُ إِنِّي إِذَا قَضَيْتُ قَضَاءً فَإِنَّهُ لَا يُرَدُّ، وَإِنِّي أَعْطَيْتُكَ لِأُمَّتِكَ أَنْ لَا أُهْلِكَهُمْ بِسَنَةٍ عَامَّةٍ، وَأَنْ لَا أُسَلِّطَ عَلَيْهِمْ عَدُوًّا مِنْ سِوَى أَنْفُسِهِمْ يَسْتَبِيحُ بَيْضَتَهُمْ - وَلَوْ اجْتَمَعَ عَلَيْهِمْ مَنْ بِأَقْطَارِهَا، أَوْ قَالَ: مَنْ بَيْنَ أَقْطَارِهَا - حَتَّى يَكُونَ بَعْضُهُمْ يُهْلِكُ بَعْضًا، وَيَسْبِي بَعْضُهُمْ بَعْضًا".. صحيح مسلم.
وثانيًا: أن هذا الصراع قد حدث في بعض مواقف التاريخ الإسلامي ـ وإن لم يكن بنفس دموية وكثرة وقوعه في التاريخ غير الإسلامي ـ .
ويهمنا ثالثًا: أن نعلن مدى صدق كلمة شاس بن قيس"... لا والله ما لنا معهم إذا اجتمع ملؤهم بها من قرار... "؛ فقد صدق ذلك الكذوب؛ إن وحدة المسلمين هي الخطر الماحق لقوة اليهود، وإن فُرقتَهم – أي المسلمين - هي السبيل الوحيد الذي يُمكِّن اليهود من السيطرة عليهم وعلى الناس جميعًا في ظل عدم قناعة اليهود بالعيش السلمي مع الآخرين، وإيمانهم باعتبار الآخرين أعداءً، ومن ثَمَّ ضرورة إخضاعهم بكل وسيلة ولو كانت دنيئة.
كما يهمنا رابعًا: معرفة وسائل الحل التي نفذها الرسول صلَّى الله عليه وسلَّم للقضاء على المشكلة مبكرًا، وذلك لنستطيع الإفادة منها في حل الصراع الدائر بين حركتي فتح وحماس في فلسطين، والذي يستنزف الجهود الفلسطينية، ويؤخر إمكانية تحقيق التحرير لكامل التراب الفلسطيني الإسلامي..
إن مفاتيح حَلِّ مشاكل الصراع بين الأشقاء في الوطن الواحد كما تبرز من خلال معالجة الرسول صلَّى اللهُ عليه وسلَّم تتمثل في:
ـ أولاً: وجود شخصية متجردة تسعى للإصلاح الحقيقي دون اتباع للهوى، أو مجاملة لأحد الأطراف على حساب الحق، وهذه الشخصية يجب أن تكون متمتعة بثقة الطرفين، كما يجب أن تكون ذات فطنةٍ وبصيرة وقدرة على النفاذ إلى حقائق الأمور وأسباب المشكلات، ووسائل الحل، وقد مثَّل الرسول صلَّى الله عليه وسلَّم هذه الشخصية في القصة المذكورة..
ـ ثانيًا: الإسراع بالحل فورًا دونما انتظار لسقوط ضحايا، أو وقوع إصابات، فبمجرد وصول خبر المواجهة إلى الرسول صلَّى الله عليه وسلَّم أسرع بالخروج إلى الأنصار لمنع هذه المواجهة..
ـ ثالثًا: التذكير بالله عَزَّ وجَلَّ، فعندما وصل رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم مكان المواجهة أخذ يقول: "يا معشر المسلمين، اللهَ اللهَ..."، وفي ذلك التذكير ما فيه من ردٍّ للنفوس إلى الإيمان..
ـ رابعًا: التذكير بقبح نتائج الصراع بين الإخوة، ومن ذلك: قول رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم لهم: "... أبدعوى الجاهلية وأنا بين أظهركم..."، فالعودة للجاهلية بالنسبة للأنصار والصحابة عامة تعني فقدان الإيمان، والعودة للضلالة التي عاشوا يرزحون تحت وطأتها سنين طويلة..
ومن نتائج الصراع القبيحة أيضًا ضعف الشوكة، وذلك في قول الرسول صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: "... وأَلَّفَ به بين قلوبكم..." فبعد التآلف سيحلُّ التنازع والشقاق ومعهما الضعف والهوان..
ومن النتائج القبيحة للصراع عدم وضوح الرؤية بالنسبة للمتصارعين، فقد استنقذهم اللهُ عَزَّ وجَلَّ من الكفر، ولكنهم بتنازعهم هذا يطرحون عنهم نور الإيمان جانبًا، ويعودون للتيه في وديان الضلالة، وتغيب عنهم النظرة الصحيحة للأمور، وتطيش الموازين، فيرون الإخوة أعداءً، والأعداء أصدقاء..
إن دروس هذا الموقف ـ كما ذكرنا ـ ذات فائدة في حل النزاع الدائر بين فتح وحماس، وإن الشخصية المتجرِّدة النزيهة التي تستطيع الأخذ بين الفريقين إلى شاطئ الأُخوَّة لموجودةٌ بكثرة في الأراضي الفلسطينية، وفي العالم الإسلامي.. المهم أن تخلص النوايا للإصلاح، وألا يكون هناك مَن يشعل هذه الخلافات لأغراضٍ شخصية، وإن وُجِد فيجب على الجميع أن يدركوا أهدافه، ويُبطِلوا مخططه.
وقد يقول قائل: ولكن ماذا نفعل إذا رفض أحدُ أطراف النزاع التذكير بالله، كأن يكون هذا الطرف علمانيًّا مثلاً، أو غيرَ مسلمٍ؟ والإجابة عن هذا السؤال تستدعي الانتظار للمقال القادم بإذن الله عَزَّ وجَلَّ..
اقرأ أيضًا..






التعليقات
إرسال تعليقك